بلاويكم نيوز

اقتدوا ب(زميلكم) يا وزراء دفاع العراق

0

بقلم : فالح حسون الدراجي ..

هي حكاية نشرت كثيراً، وتناقلت على ألسنة الكثيرين، والأجمل فيها أنها لم تفقد بريقها، ولا عذوبتها أو نضارتها أو متعتها، حتى أني قرأتها وسمعتها مرات عديدة بذات الشغف والإقبال، وكأني أقرؤها أو أسمعها لأول مرة.. وأظن أن سبب ذلك يعود لصدق الحكاية أولاً، ولارتباطها بشخص يحبه العراقيون جداً – وأنا منهم طبعاً – ناهيك من الدروس والعبر والقيم الأخلاقية التي تقدمها لنا هذه الحكاية، في زمن تتضاءل فيه هذه القيم كل يوم، حتى تكاد تتلاشى من بنية المجتمع العراقي للأسف الشديد.

وكي لا أطيل على القارئ الكريم، فإني قررت أن أضمّن مقالي اليوم بهذه الحكاية المعبرة، لتعميم الفائدة والإقتداء بها، معتمداً على صدقيتها، وشهودها الذين مازال بعضهم على قيد الحياة.

فضلاً عن رغبتي في أن يطلع عليها أصحاب الشأن والمعنيون بالأمر تحديداً.. وإلا ما كنت قد عرضتها في مقال افتتاحي في الوقت الذي يمر فيه بلدنا وعموم المنطقة بظروف حساسة تستحق أن تعرض بأكثر من مقال..

لذا سأضع هذه الحكاية التي يقدم لنا فيها الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم درساً في النزاهة، والأمانة وقيم الوطنية والكرامة، والقيادة العسكرية أيضاً، متمنياً على المسؤولين العراقيين، لاسيما وزراء الدفاع أن يطلعوا عليها، ويقتدوا بنموذجها الباهر، ويفتخروا بزميلهم ( وزير الدفاع) عبد الكريم قاسم

فهو الرجل الذي يستحق الإقتداء به دون شك ..

إذن، اقرؤوا هذه الحكاية أيها المسؤولون واضبطوا ذممكم على ذمة الزعيم النزيه عبد الكريم، كما يضبط الانگليز ساعاتهم على ساعة بيغ بن ..!

وهنا يجب ان أبين نقطة مهمة دفعاً للإلتباس وسوء الفهم، مفادها أن نصيحتي لوزراء دفاع العراق بالإقتداء برجل نزيه وأمين مثل الزعيم لا ينقص من كرامتهم، ولا يقلل من شأنهم، لاسمح الله، خاصة وأني أعرف وزراء دفاع عراقيين نزهاء وأمناء جداً، مثل وزير الدفاع الأسبق عرفان الحيالي، الضابط الوطني الباسل الذي رفض ظلم صدام حسين، وانخرط في حركة مسلحة معارضة سعت لإسقاط الطاغية، فنال بسبب ذلك حكماً بالإعدام من محكمة عواد البندر، لكن ظروفاً قدرية رحيمة أبعدت عن عنقه مقصلة صدام الرهيبة .. كما كانت تجربته ونزاهته في كرسي الوزارة محل الثناء والإعجاب والتقدير .

إليكم حكاية (الزعيم) عبد الكريم كما رواها أحد الجنود في الحسابات العسكرية، حيث يقول:- بمناسبة عيد الجيش في السادس من كانون الثاني عام 1989، اشتركت ( وحدتي ) في معرض جداري أقامته مديرية الحسابات العسكرية بهذه المناسبة.

ومن باب غريزة التنافس للفوز بجوائز المعرض، ولضيق الوقت، اقترحنا نحن الجنود على مدير شعبتنا العميد (خ . ي ) أن نشارك بعمل واحد نوظف فيه كل إمكانياتنا لإخراجه فنياً بصورة رائعة بحيث يلفت نظر الحضور، بل و (يصدم ) الزوار أيضاً .. وقبل أن يسألنا مديرنا عن (الصدمة) التي ستحدثها مشاركتنا، أجبته بهدوء :-

سنشارك بعرض أوراق ملف الـ ( 750 فلسا) التي كانت بذمة ( عبد الكريم قاسم )، من أول مطالبة بالمبلغ من قبل وحدتنا، حتى إصدار قرار إطفائه،

وسنعيد كتابة تلك الأوراق ونبرزها بشكل فني وسوف (وقبل أن أتم الجملة )، صاح بصوت عال : ( وراح يشعلون جد جدي.. ولكم آني مسيحي، قابل آني تكريتي وضلعي يتحمل.. ولكم والمسيح يصلبوني، إنتو تريدون تهجمون بيتي )؟!.. وكلما هممنا للتبرير يقاطعنا المدير بالقول: ( يعني تريدون أگلهم شوفوا عبد الكريم شلون كان خوش إنسان.. وأمين، وأنتم حرامية.. ؟!بطلنا ماكو مشاركة..

اكتبوا للحسابات اعتذارنا بسبب ضيق الوقت ) !!

إلا أن المدير فاجأنا في اليوم الثاني وأرسل الينا موافقته على الاشتراك بالعمل الذي اقترحناه، ليس شجاعة، أو اقتناعاً بفكرتنا، بل كما عرفنا منه فيما بعد ( لإغاضة مدير الحسابات و المسؤولين في المديرية الذين كانوا سبباً وراء حرمانه من الترفيع إلى رتبة لواء ) !!

مقترحاً علينا : أن نحجز مكانا في الجدار يكون في (وجه) الضيوف الزوار، ولا نعلق جداريتنا إلا قبل الافتتاح بعشر دقائق ..

أنجزنا كل شيء، وبدأت كل وحدة حسابية تخرج ما عندها، وتشرح متباهية بما لديها، ونحن الجنود الخريجين أصحاب الهندام المكوي، والأحذية الخفيفة اللماعة، نقف كالطواويس أمام لوحاتنا، ومنتصبين كالتماثيل، على أن المفاجأة الكبرى التي لم تكن في تفكيرنا كانت في حضور وزير الدفاع (عدنان خير الله) إلى قاعة المعرض.. فتزاحفنا أنا وزملائي لتغطية اللوحة !! لكن يبدو أن حركتنا لفتت انتباه الوزير، فتقدم بهدوء صوب الجدارية .. وكنا قد كتبنا بوسطها وبالخط العريض الكبير الأحمر الفسفوري: 750 فلسا بذمة وزير الدفاع العراقي.

وراح عدنان خير الله يطيل التفحص والتدقيق في القراءة مرة بعد الأخرى، ملتفتاً إلى مدير وحدتنا طالباً منه الإيضاح.
فقال العميد (خ . ي) وهو بحالة ارتباك مشوبة بالقلق والخوف : عندما مات عبد الكريم قاسم في 9/2/1963 قبل الظهر حسب أوامر القسم الثاني لثكنة الشؤون الإدارية لوزارة الدفاع ليوم 12/2/1963.. كان من الطبيعي أن يحتسب راتب المتوفى لمدة ثمانية أيام، لكون وفاته قبل الظهر، وتم على أساسها احتساب راتبه، كما تم استحصال الديون التي بذمته كما مبين في الأوراق، وهي عبارة عن إيجار مسكن، وأجور كهرباء، وأجور ماء، وكذلك توقيفات تقاعدية ومابقي من دينه لحوانيت الجيش، وجمعية بناء مساكن الضباط … عدا ما بذمة المتوفى عبد الكريم قاسم بمبلغ 750 فلسا لصالح مديرية البريد والبرق والهاتف عن مكالماته الشخصية في وزارة الدفاع وفي منزله الشخصي.. وبما أن ما يستحقه من راتب لايكفي لسداد المبلغ فقد سجلته دائرتنا (الحسابات) في حينه دينا بذمة المتوفى، وقد طلبت شعبتنا في حينه من مراجعها العليا إطفاء المبلغ لكونه بذمة متوفى لايمكن استحصاله

،إلا أن مراجعنا ليس لديها صلاحية الاطفاء، فرفع الأمر إلى القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية ( عبد السلام عارف ) لغرض إصدار قرار بإطفاء المبلغ، لكن طلبنا ظل مركونا ( تحت اليد ) في دولابه، ومن ثم في دولاب شقيقه الرئيس (عبد الرحمن عارف ) دون البت بالقرار الذي كنا مواظبين على التأكيد عليه لغرض الإجابة.. وقد كانت شعبتنا ترسل موازنتها المالية مع إشارة (ديون مشكوك في تحصيلها تنتظر الاطفاء )، لغرض مطابقة الميزانية، على أنه في شباط عام 1969 صدر قرار رئاسي بإطفاء المبلغ واعتباره من الديون المعدومة ..

صمت ( عدنان خيرالله ) قليلا وهو يستمع للشرح، وأسهب بتأمل الجدارية مرة أخرى، ثم قال: ( ألله يرحمه.. الله يرحمنا.. ).

وقبل أن يطلب من مدير الحسابات ومن مدير مكتبه إرسال هذه الجدارية مع أوراقها الأصلية الى المتحف العسكري، قال متسائلاً :

لماذا كتبتم 750 فلسا بذمة وزير الدفاع، ولم تكتبوا بذمة رئيس الوزراء عبد الكريم؟

أجبته: سيدي إن راتب عبد الكريم قاسم كان عن منصبه في وزارة الدفاع، ولم يكن يتقاضى أي مرتب أو أجر أو مكافأة موثقة لدينا عن رئاسته للوزراء ..!

ابتسم الوزير والتفت الى مديرنا قائلا له: شكرا لكم، امنحهم (مؤشراً بعصاه علينا ) إجازة لمدة عشرة أيام مكافأة لهم .. وخرج من القاعة دون أن يكمل زيارته للمعرض .. !!

انتهت حكاية الزعيم، لكن صداها ومعناها وقيمها ودرسها لم ينته، بل ولن ينتهي إلى الأبد ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط