المقالات

كعكة النحس

بقلم : نورا المرشدي ..

في الماضي، كانت الكعكة رمزًا للفرح الخالص.
نحتفل بها بقلوب طفولية، نغنّي حولها، نطفئ شموعها بحماسة، ونتمنى أمنيات لا نبوح بها.
الكعكة كانت لحظة صدق… لحظة جماعية نقول فيها للعمر: “مرحبًا بك كما أنت.”

لكن في زمننا، تغيّر طعم الكعكة.
أصبحت تُقدّم في مناسبات لا تستحق الفرح.
صارت تُزيَّن في مكاتب المسؤولين عند كل إخفاق، وتُقطّع في مؤتمرات الفشل، وتُوزّع في حفلات ترقياتٍ بلا معنى.
كأن السكر غطاء للنحس، وكأن الطحين صار وسيلة لإخفاء المرارة.

حتى في النوادي والأفراح، لم تسلم الكعكة من التحوّل…
أصبحت “سيدة الحفل”، تُحمل على الأكتاف، تُصوّر من كل الزوايا، وتُصمم بحجم المبالغة لا بنية الفرح.
لم تعد مجرد تفصيلة، بل أصبحت مقياسًا اجتماعيًا لمستوى الرفاه أو التباهي.

في بلادٍ تُطفأ فيها الكهرباء ويُرفع الدعم عن الخبز،
يُحتفل بـ “نجاح خطّة اقتصادية” بكعكة.
في مستشفى يفتقر إلى أبسط دواء،
تُؤتى بكعكة لتكريم مسؤولٍ “أشرف على تطوير الرؤية”.
وفي مدارس نُهبت ميزانيتها،
تُوزَّع كعكة بمناسبة “بداية العام الدراسي”.

حتى الكيكة تغيّرت… تغيّر لونها، تغيّر شكلها، ولم تعد تُقاس بطعمها أو معناها، بل بمظهرها.
كم طبقة فيها؟ كم تكلفة تزيينها؟ كم صورة ستخرج منها؟
تحوّلت من لحظة فرح إلى عرضٍ استهلاكي، من ذكرى دافئة إلى مجرّد حدث للتفاخر أو التغطية الإعلامية.

صار كل ما يُقال بالكعكة لا يليق أن يُقال بالكلمات.
تُزيَّن الوجوه بالكريمة، وتُمرّر الخيبة بهدوء…
وتُرفع صور الاحتفال على المنصات، بينما الواقع يتفتّت.

لقد كانت الكيكة يومًا ما معنى أجمل…
ببساطتها، بذكرياتها، بلونها المائل قليلاً، وبشموعٍ تنطفئ بضحكاتنا.
لا صور مزينة ولا طاولات فاخرة، فقط لحظة صافية نحتفل فيها بالحياة.
لكن حتى الكيكة، اختلفت…
تغيّرت مع عقارب الزمن، ولم تعد كما كانت .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى